السلمي

33

طبقات الصوفية

أن الحُكماءَ هم العلماءُ ؛ وهم الراضون عن الله عز وجل ، إذا سخط الناسُ ؛ وهم جلساءُ اللهِ غداً ، بعد النبيين والصدِّيقين . يا غلامُ ! احفَظْ عنى واعْقِل . واحتملْ ولا تَعْجَل . فإن التَّأَنِّي معه الحِلْمُ والحياءُ ، وإن السَّفَه معهُ الخُرْق والشُّؤم . قال : فسالتْ عينايَ ، وقلتُ : واللهِ ! ما حملني على مُفارَقَةِ أَبَوَيَّ ، والخروجِ من مالي ، إلا حبُّ الأَثَرَةِ لله . ومع ذلك ، الزهدُ في الدنيا ، والرغبةُ في جِوار الله تعالى . فقال : إياك والبخلَ ! قلت : ما البخلُ ؟ . فقال : أما البخلُ - عند أهل الدنيا - فهو أن يكونَ الرجلُ بخيلاً بمالِه . وأما الذي عند أهلِ الآخرة ، فهو الذي يبخلُ بنفسِه عن الله تعالى . أّلاَ وإنَّ العبدَ إذا جادَ بنفسه لله ، أُورِث قلبُه الهُدى والتُّقى ؛ وأُعطِىَ السكينةَ والوقارَ ، والعِلْمَ الراجِحَ ، والعقلَ الكاملَ . ومع ذلك تُفتَح له أبوابُ السماء ، فهو ينظرُ إلى أبوابها بقلبهِ كيف تفُتَح ، وإن كان في طريق الدنيا مطروحاً . فقال له رجل من أصحابه : اضْرِبَه فَأَوْجِعْه ، فإنا نراه غلاماً قد وُفِّق لولاية الله تعالى . قال : فتعجب الشيخ من قول أصحابه : قد وُفِّقَ لولاية الله تعالى . فقال لي : يا غلامُ ! أما إنَّك ستصحبُ الخيارَ ؛ فكن لهم أرضاً يَطَأُون عليكَ ؛ وإن ضَرَبوك ، وشَتَموك ، وطردوك ، وأسمعوك القبيحَ . فإذا فعلوا بك ذلك ، ففَكِّرْ في نفسك : من أين أُتِيت ؟ . فإنك إذا فعلتَ ذلك ، يؤيِّدُك اللهُ بنصره ؛ ويُقْبِل بقلوبهم عليك . واعلم أن العبدَ إذا قَلاه الخيارُ ، واجتنب